شهد المعدن الأصفر في عام 2025 ارتفاعات تاريخية غير مسبوقة، حيث تجاوزت الأسعار علامة 4300 دولار للأوقية في منتصف أكتوبر، قبل أن تشهد تراجعات طفيفة نحو مستوى 4000 دولار في نوفمبر، مما طرح تساؤلات جادة حول مسار توقعات سعر الذهب خلال العام المقبل وإمكانية الوصول إلى حاجز 5000 دولار للأوقية.
هذا الصعود الحاد لم يأتِ من فراغ، بل كان نتيجة تراكم عوامل اقتصادية وجيوسياسية معقدة، تشمل تراجع النمو العالمي، وتحول السياسات النقدية نحو التيسير التدريجي، ما دفع المستثمرين إلى إعادة توزيع محافظهم نحو الأصول الآمنة. وفي ظل حالة عدم اليقين المتنامية بشأن الديون السيادية والتوترات التجارية، ترسخت مكانة الذهب كأداة تحوط استراتيجية في المحافظ الاستثمارية الكبرى.
العوامل الجيوسياسية والتجارية: الدافع الأساسي لارتفاع الأسعار
كانت الأزمات الجيوسياسية أحد الركائز الرئيسية لدفع توقعات سعر الذهب نحو الأعلى طوال عام 2025. أشارت تقارير متخصصة إلى أن الغموض السياسي زاد الطلب بمعدل 7% على أساس سنوي، حيث اتجهت الصناديق الاستثمارية الكبرى للتحوط من تقلبات الأسواق الناشئة والمخاطر المرتبطة بإمدادات الطاقة العالمية.
عندما تصاعدت الأزمات في مضيق تايوان وتزايدت المخاوف من تعطل سلاسل الإمداد، قفزت الأسعار الفورية إلى ما يتجاوز 3400 دولار للأوقية في يوليو، وواصل المعدن الأصفر الارتفاع ليكسر حاجز 4300 دولار بحلول منتصف أكتوبر. هذا السلوك التاريخي للذهب يوضح كيف يتحرك المعدن بحساسية عالية تجاه الأزمات الطارئة، مما يعزز احتمالية تسجيل مستويات قياسية جديدة في 2026 إذا استمرت حالة عدم اليقين.
دور البنوك المركزية في دعم الطلب
استمرت البنوك المركزية حول العالم في تعزيز احتياطاتها من الذهب بوتيرة متسارعة، حيث أضافت 244 طنًا خلال الربع الأول من 2025 وحده، بزيادة 24% عن المتوسط الفصلي للسنوات الخمس السابقة. وأظهرت البيانات أن 44% من البنوك المركزية العالمية تدير الآن احتياطيات ذهبية، مقابل 37% فقط في 2024، مما يعكس توجهًا استراتيجيًا نحو تنويع الأصول بعيدًا عن الدولار الأمريكي.
قادت الصين وتركيا والهند قائمة المشترين، حيث أضاف بنك الشعب الصيني وحده أكثر من 65 طنًا لمدة 22 شهر متتالي، بينما عززت تركيا احتياطاتها لتتجاوز 600 طن. من المتوقع أن يظل هذا الاتجاه هو العامل الأكبر في دعم الطلب العالمي حتى نهاية 2026، خاصة مع سعي الأسواق الناشئة لحماية عملاتها المحلية من تقلبات أسعار الصرف.
الطلب الاستثماري: الموجة القوية الثانية
وصل إجمالي الطلب على المعدن الأصفر في الربع الثاني من 2025 إلى 1249 طنًا بزيادة 3% سنوية، لكن القيمة ارتفعت بنسبة 45% لتصل إلى 132 مليار دولار، مما يعكس الطلب المؤسسي القوي.
شهدت صناديق الذهب المتداولة في البورصة (ETFs) تدفقات رأسمالية ضخمة أسفرت عن زيادة الأصول المُدارة إلى 472 مليار دولار، مع ارتفاع الحيازات إلى 3838 طن بمعدل نمو 6%، حيث اقترب المعدن من ذروة تاريخية تقدّر بحوالي 3929 طن. هذا المؤشر يعكس إقبالًا غير مسبوق من المستثمرين الأفراد الجدد، حيث أظهرت البيانات أن 28% من المستثمرين الجدد في الأسواق المتقدمة أضافوا الذهب إلى محافظهم للمرة الأولى، مدفوعين بتوقعات أسعار متفائلة واستراتيجيات تحوط طويلة الأجل.
الفجوة بين العرض والطلب: قيد على الانخفاض
رغم تسجيل الإنتاج العالمي رقمًا قياسيًا في الربع الأول بلغ 856 طنًا، إلا أن الزيادة البطيئة بنسبة 1% سنويًا تظل غير كافية لسد الفجوة المتنامية بين الطلب المتسارع والعرض المحدود. وفاقم الوضع انخفاض الذهب المُعاد تدويره بنسبة 1%، حيث فضّل حائزوه الاحتفاظ بالمعادن في ظل التوقعات الصعودية.
ارتفعت تكاليف الاستخراج العالمية إلى حوالي 1470 دولارًا للأوقية بحلول منتصف 2025، وهو أعلى مستوى في العقد الأخير، مما يقيّد التوسع في الإنتاج ويرفع عتبة الربحية للمناجم. هذا الشح النسبي في العرض يُعطي الذهب ميزة تصعيدية تدعم توقعات سعر الذهب بأن أي زيادة في الطلب قد تدفع الأسعار نحو مقاومات جديدة في 2026.
السياسة النقدية الأمريكية والعالمية: حافز أساسي
خفض الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في أكتوبر 2025، ليصل السعر إلى النطاق 3.75-4.00%، وهو الخفض الثاني منذ ديسمبر 2024. توقعت أسواق الخيارات المستقبلية (FedWatch) خفضًا إضافيًا قدره 25 نقطة أساس خلال اجتماع ديسمبر 2025، ليكون الثالث من السنة، مما قد يدفع سعر الفائدة نحو 3.4% بحلول نهاية 2026 في السيناريوهات المعتدلة.
هذه التخفيضات تؤدي إلى تراجع العوائد الحقيقية للسندات، مما يقلل تكلفة الفرصة البديلة للاستثمار في الذهب، وبالتالي يزيد من جاذبيته. وتتجاوز التأثيرات الإيجابية للذهب مجرد الفيدرالي، بل تشمل السياسات التيسيرية للبنوك المركزية الكبرى الأخرى مثل البنك المركزي الأوروبي وبنك اليابان، التي تضعف العملات المحلية وتعزز الطلب على الأصول الآمنة.
حركة الدولار والعوائد: العلاقة العكسية القاطعة
تراجع مؤشر الدولار بنحو 7.64% من ذروته في بداية 2025 حتى 21 نوفمبر، بفعل توقعات خفض الفائدة وتباطؤ النمو الاقتصادي. في الوقت ذاته، انخفضت عوائد السندات الأمريكية لأجل 10 سنوات من 4.6% إلى حوالي 4.07%، وهو التراجع الثنائي الذي عزز الطلب المؤسسي على المعدن النفيس.
يرى محللو بنك أوف أمريكا أن استمرار هذا الاتجاه يدعم توقعات سعر الذهب 2026، خاصة مع استقرار العوائد الحقيقية قرب 1.2%، حيث يسعى المستثمرون إلى إعادة توازن محافظهم بعيدًا عن الأصول الدولارية، وهو ما قد يضع الذهب في نطاق صعودي مستدام.
التضخم والديون: شركاء السعر الصعودي
اعترفت أكبر المؤسسات المالية العالمية بارتفاع أسعار الذهب بواقع 35% في 2025، بينما توقع صندوق النقد الدولي أن الدين العام العالمي تجاوز 100% من الناتج المحلي الإجمالي، ما أثار مخاوف جادة من استدامة السياسات المالية.
في ظل هذه المخاوف، توجه المستثمرون الكبار نحو الذهب كملاذ يحمي من فقدان القوة الشرائية. أظهرت بيانات بلومبرغ إيكونوميكس أن 42% من صناديق التحوط الكبرى عززت مراكزها في المعدن الأصفر خلال الربع الثالث من 2025، مما يعكس إدراكًا متزايدًا بأهمية الذهب في المحافظ طويلة الأجل.
توقعات سعر الذهب 2026: السيناريوهات المختلفة
أجمع محللو البنوك الاستثمارية الكبرى على نطاق توقعات يتراوح بين 4800 و5000 دولار كذروة محتملة في 2026، مع متوسطات سنوية تتراوح بين 4200 و4800 دولار.
توقّع بنك HSBC أن يندفع الذهب ليصل إلى 5000 دولار للأوقية في النصف الأول من 2026، مع متوسط متوقع عند 4600 دولار للسنة بأكملها. وكذلك رفع بنك أوف أمريكا سقف توقعاته إلى 5000 دولار كذروة محتملة مع متوسط 4400 دولار، لكنه حذّر من احتمالية تصحيح قصير الأجل إذا ما بدأ المتداولون في جني الأرباح.
عدّل غولدمان ساكس توقعه لعام 2026 إلى 4900 دولار للأوقية، مستشهدًا بتدفقات قوية متوقعة نحو صناديق الذهب المتداولة واستمرار البنوك المركزية في الشراء. بينما كشفت توقعات بنك جيه بي مورغان عن احتمالية وصول الذهب إلى حوالي 5055 دولارًا بحلول منتصف 2026.
توقعات أسعار الذهب في منطقة الشرق الأوسط
زادت منطقة الشرق الأوسط من احتياطاتها من الذهب بشكل ملحوظ، حيث أضاف البنك المركزي المصري طنًا واحدًا في الربع الأول من 2025، بينما أضاف البنك المركزي القطري 3 أطنان.
بناءً على التوقعات العالمية، من المرجح أن يصل سعر الذهب في مصر إلى حوالي 522,580 جنيهًا مصريًا للأوقية بحلول 2026، ما يمثل زيادة بواقع 158.46% مقارنة بالأسعار الحالية.
أما في دول الخليج مثل السعودية والإمارات التي تتمتع باستقرار أسعار الصرف، فإن ترجمة السعر المتوقع البالغ 5000 دولار للأوقية سيعطي تقديرات تقارب 18750 إلى 19000 ريال سعودي في المملكة، و18375 إلى 19000 درهم إماراتي في الإمارات، طالما ظلت نسب الصرف المرتبطة بالدولار مستقرة.
التصحيحات المحتملة: الجانب المظلم من التفاؤل
رغم التوقعات الصاعدة، حذّر بنك HSBC من أن زخم الصعود قد يفقد جزءًا من قوته في النصف الثاني من 2026، مع احتمالات تراجع تصحيحي قد يستهدف مستوى 4200 دولار للأوقية إذا ما بدأ المستثمرون جني الأرباح، لكن التحليل استبعد انخفاضًا دون 3800 دولار ما لم تحدث صدمة اقتصادية كبرى.
انتبه غولدمان ساكس أيضًا إلى أن استمرار الأسعار فوق 4800 دولار قد يضع الأسواق أمام “اختبار المصداقية السعرية”، أي اختبار قدرة المعدن على الحفاظ على مستوياته في ظل ضعف الطلب الصناعي الحقيقي.
غير أن محللي جيه بي مورغان ودويتشه بنك أجمعوا على أن الذهب دخل بالفعل منطقة سعرية جديدة يصعب كسرها نحو الأسفل، بفضل التحول الاستراتيجي في نظرة المستثمرين إليه كأصل طويل الأجل وليس مجرد أداة للمضاربة قصيرة الأجل.
صورة التحليل الفني: ماذا يقول الرسم البياني؟
أغلق الذهب تعاملات 21 نوفمبر 2025 عند 4065.01 دولار للأوقية، بعد أن لامس ذروة تاريخية عند 4381.44 دولار في 20 أكتوبر. كسر السعر خط القناة الصاعدة على الإطار اليومي، لكنه ما يزال يتمسك بخط الاتجاه الصاعد الرئيسي الذي يربط القيعان الصاعدة حول 4050 دولار.
يُظهر السعر دعمًا قويًا عند مستوى 4000 دولار، وهي منطقة حاسمة لتحديد اتجاه الحركة القادمة. في حال كسرها بإغلاق يومي واضح، قد يستهدف السعر منطقة 3800 دولار التي تمثل 50% من تصحيح فيبوناتشي.
من الجانب الآخر، يُعتبر 4200 دولار أول خطوط المقاومة القوية، حيث يفتح طريقًا نحو 4400 دولار ثم 4680. يستقر مؤشر القوة النسبية (RSI) عند 50، مما يشير إلى حالة حياد تام بين الضغوط الشرائية والبيعية، في حين يؤكد مؤشر MACD استمرار الاتجاه الصاعد العام.
يُرجّح التحليل الفني استمرار تداول الذهب داخل نطاق عرضي مائل للصعود بين 4000 و4220 دولارًا على المدى القريب، مع بقاء الصورة العامة إيجابية طالما ظل السعر فوق خط الاتجاه الرئيسي.
الخلاصة: انتظار مرحلة فاصلة
توقعات سعر الذهب في 2026 تعكس صراعًا متوقعًا بين جني الأرباح وموجات شراء جديدة من البنوك المركزية والمستثمرين الكبار. إذا استمرت العوائد الحقيقية في الانخفاض وظل الدولار ضعيفًا، فإن المعدن النفيس مرشح لتسجيل قمم تاريخية قد تتجاوز 5000 دولار للأوقية.
لكن في حال تراجع التضخم وعودة الثقة للأسواق المالية التقليدية، قد يدخل الذهب مرحلة استقرار طويلة الأجل تحول دون تحقيق هذه المستويات الطموحة. والواقع أن توقعات سعر الذهب 2026 ستعتمد بشكل حاسم على ديناميكيات العوامل الاقتصادية والسياسية التي ستحدد مسار السوق في الأشهر القادمة.
قد تحتوي هذه الصفحة على محتوى من جهات خارجية، يتم تقديمه لأغراض إعلامية فقط (وليس كإقرارات/ضمانات)، ولا ينبغي اعتباره موافقة على آرائه من قبل Gate، ولا بمثابة نصيحة مالية أو مهنية. انظر إلى إخلاء المسؤولية للحصول على التفاصيل.
توقعات الذهب في 2026: هل يحقق المعدن النفيس قفزة إلى 5000 دولار؟
شهد المعدن الأصفر في عام 2025 ارتفاعات تاريخية غير مسبوقة، حيث تجاوزت الأسعار علامة 4300 دولار للأوقية في منتصف أكتوبر، قبل أن تشهد تراجعات طفيفة نحو مستوى 4000 دولار في نوفمبر، مما طرح تساؤلات جادة حول مسار توقعات سعر الذهب خلال العام المقبل وإمكانية الوصول إلى حاجز 5000 دولار للأوقية.
هذا الصعود الحاد لم يأتِ من فراغ، بل كان نتيجة تراكم عوامل اقتصادية وجيوسياسية معقدة، تشمل تراجع النمو العالمي، وتحول السياسات النقدية نحو التيسير التدريجي، ما دفع المستثمرين إلى إعادة توزيع محافظهم نحو الأصول الآمنة. وفي ظل حالة عدم اليقين المتنامية بشأن الديون السيادية والتوترات التجارية، ترسخت مكانة الذهب كأداة تحوط استراتيجية في المحافظ الاستثمارية الكبرى.
العوامل الجيوسياسية والتجارية: الدافع الأساسي لارتفاع الأسعار
كانت الأزمات الجيوسياسية أحد الركائز الرئيسية لدفع توقعات سعر الذهب نحو الأعلى طوال عام 2025. أشارت تقارير متخصصة إلى أن الغموض السياسي زاد الطلب بمعدل 7% على أساس سنوي، حيث اتجهت الصناديق الاستثمارية الكبرى للتحوط من تقلبات الأسواق الناشئة والمخاطر المرتبطة بإمدادات الطاقة العالمية.
عندما تصاعدت الأزمات في مضيق تايوان وتزايدت المخاوف من تعطل سلاسل الإمداد، قفزت الأسعار الفورية إلى ما يتجاوز 3400 دولار للأوقية في يوليو، وواصل المعدن الأصفر الارتفاع ليكسر حاجز 4300 دولار بحلول منتصف أكتوبر. هذا السلوك التاريخي للذهب يوضح كيف يتحرك المعدن بحساسية عالية تجاه الأزمات الطارئة، مما يعزز احتمالية تسجيل مستويات قياسية جديدة في 2026 إذا استمرت حالة عدم اليقين.
دور البنوك المركزية في دعم الطلب
استمرت البنوك المركزية حول العالم في تعزيز احتياطاتها من الذهب بوتيرة متسارعة، حيث أضافت 244 طنًا خلال الربع الأول من 2025 وحده، بزيادة 24% عن المتوسط الفصلي للسنوات الخمس السابقة. وأظهرت البيانات أن 44% من البنوك المركزية العالمية تدير الآن احتياطيات ذهبية، مقابل 37% فقط في 2024، مما يعكس توجهًا استراتيجيًا نحو تنويع الأصول بعيدًا عن الدولار الأمريكي.
قادت الصين وتركيا والهند قائمة المشترين، حيث أضاف بنك الشعب الصيني وحده أكثر من 65 طنًا لمدة 22 شهر متتالي، بينما عززت تركيا احتياطاتها لتتجاوز 600 طن. من المتوقع أن يظل هذا الاتجاه هو العامل الأكبر في دعم الطلب العالمي حتى نهاية 2026، خاصة مع سعي الأسواق الناشئة لحماية عملاتها المحلية من تقلبات أسعار الصرف.
الطلب الاستثماري: الموجة القوية الثانية
وصل إجمالي الطلب على المعدن الأصفر في الربع الثاني من 2025 إلى 1249 طنًا بزيادة 3% سنوية، لكن القيمة ارتفعت بنسبة 45% لتصل إلى 132 مليار دولار، مما يعكس الطلب المؤسسي القوي.
شهدت صناديق الذهب المتداولة في البورصة (ETFs) تدفقات رأسمالية ضخمة أسفرت عن زيادة الأصول المُدارة إلى 472 مليار دولار، مع ارتفاع الحيازات إلى 3838 طن بمعدل نمو 6%، حيث اقترب المعدن من ذروة تاريخية تقدّر بحوالي 3929 طن. هذا المؤشر يعكس إقبالًا غير مسبوق من المستثمرين الأفراد الجدد، حيث أظهرت البيانات أن 28% من المستثمرين الجدد في الأسواق المتقدمة أضافوا الذهب إلى محافظهم للمرة الأولى، مدفوعين بتوقعات أسعار متفائلة واستراتيجيات تحوط طويلة الأجل.
الفجوة بين العرض والطلب: قيد على الانخفاض
رغم تسجيل الإنتاج العالمي رقمًا قياسيًا في الربع الأول بلغ 856 طنًا، إلا أن الزيادة البطيئة بنسبة 1% سنويًا تظل غير كافية لسد الفجوة المتنامية بين الطلب المتسارع والعرض المحدود. وفاقم الوضع انخفاض الذهب المُعاد تدويره بنسبة 1%، حيث فضّل حائزوه الاحتفاظ بالمعادن في ظل التوقعات الصعودية.
ارتفعت تكاليف الاستخراج العالمية إلى حوالي 1470 دولارًا للأوقية بحلول منتصف 2025، وهو أعلى مستوى في العقد الأخير، مما يقيّد التوسع في الإنتاج ويرفع عتبة الربحية للمناجم. هذا الشح النسبي في العرض يُعطي الذهب ميزة تصعيدية تدعم توقعات سعر الذهب بأن أي زيادة في الطلب قد تدفع الأسعار نحو مقاومات جديدة في 2026.
السياسة النقدية الأمريكية والعالمية: حافز أساسي
خفض الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في أكتوبر 2025، ليصل السعر إلى النطاق 3.75-4.00%، وهو الخفض الثاني منذ ديسمبر 2024. توقعت أسواق الخيارات المستقبلية (FedWatch) خفضًا إضافيًا قدره 25 نقطة أساس خلال اجتماع ديسمبر 2025، ليكون الثالث من السنة، مما قد يدفع سعر الفائدة نحو 3.4% بحلول نهاية 2026 في السيناريوهات المعتدلة.
هذه التخفيضات تؤدي إلى تراجع العوائد الحقيقية للسندات، مما يقلل تكلفة الفرصة البديلة للاستثمار في الذهب، وبالتالي يزيد من جاذبيته. وتتجاوز التأثيرات الإيجابية للذهب مجرد الفيدرالي، بل تشمل السياسات التيسيرية للبنوك المركزية الكبرى الأخرى مثل البنك المركزي الأوروبي وبنك اليابان، التي تضعف العملات المحلية وتعزز الطلب على الأصول الآمنة.
حركة الدولار والعوائد: العلاقة العكسية القاطعة
تراجع مؤشر الدولار بنحو 7.64% من ذروته في بداية 2025 حتى 21 نوفمبر، بفعل توقعات خفض الفائدة وتباطؤ النمو الاقتصادي. في الوقت ذاته، انخفضت عوائد السندات الأمريكية لأجل 10 سنوات من 4.6% إلى حوالي 4.07%، وهو التراجع الثنائي الذي عزز الطلب المؤسسي على المعدن النفيس.
يرى محللو بنك أوف أمريكا أن استمرار هذا الاتجاه يدعم توقعات سعر الذهب 2026، خاصة مع استقرار العوائد الحقيقية قرب 1.2%، حيث يسعى المستثمرون إلى إعادة توازن محافظهم بعيدًا عن الأصول الدولارية، وهو ما قد يضع الذهب في نطاق صعودي مستدام.
التضخم والديون: شركاء السعر الصعودي
اعترفت أكبر المؤسسات المالية العالمية بارتفاع أسعار الذهب بواقع 35% في 2025، بينما توقع صندوق النقد الدولي أن الدين العام العالمي تجاوز 100% من الناتج المحلي الإجمالي، ما أثار مخاوف جادة من استدامة السياسات المالية.
في ظل هذه المخاوف، توجه المستثمرون الكبار نحو الذهب كملاذ يحمي من فقدان القوة الشرائية. أظهرت بيانات بلومبرغ إيكونوميكس أن 42% من صناديق التحوط الكبرى عززت مراكزها في المعدن الأصفر خلال الربع الثالث من 2025، مما يعكس إدراكًا متزايدًا بأهمية الذهب في المحافظ طويلة الأجل.
توقعات سعر الذهب 2026: السيناريوهات المختلفة
أجمع محللو البنوك الاستثمارية الكبرى على نطاق توقعات يتراوح بين 4800 و5000 دولار كذروة محتملة في 2026، مع متوسطات سنوية تتراوح بين 4200 و4800 دولار.
توقّع بنك HSBC أن يندفع الذهب ليصل إلى 5000 دولار للأوقية في النصف الأول من 2026، مع متوسط متوقع عند 4600 دولار للسنة بأكملها. وكذلك رفع بنك أوف أمريكا سقف توقعاته إلى 5000 دولار كذروة محتملة مع متوسط 4400 دولار، لكنه حذّر من احتمالية تصحيح قصير الأجل إذا ما بدأ المتداولون في جني الأرباح.
عدّل غولدمان ساكس توقعه لعام 2026 إلى 4900 دولار للأوقية، مستشهدًا بتدفقات قوية متوقعة نحو صناديق الذهب المتداولة واستمرار البنوك المركزية في الشراء. بينما كشفت توقعات بنك جيه بي مورغان عن احتمالية وصول الذهب إلى حوالي 5055 دولارًا بحلول منتصف 2026.
توقعات أسعار الذهب في منطقة الشرق الأوسط
زادت منطقة الشرق الأوسط من احتياطاتها من الذهب بشكل ملحوظ، حيث أضاف البنك المركزي المصري طنًا واحدًا في الربع الأول من 2025، بينما أضاف البنك المركزي القطري 3 أطنان.
بناءً على التوقعات العالمية، من المرجح أن يصل سعر الذهب في مصر إلى حوالي 522,580 جنيهًا مصريًا للأوقية بحلول 2026، ما يمثل زيادة بواقع 158.46% مقارنة بالأسعار الحالية.
أما في دول الخليج مثل السعودية والإمارات التي تتمتع باستقرار أسعار الصرف، فإن ترجمة السعر المتوقع البالغ 5000 دولار للأوقية سيعطي تقديرات تقارب 18750 إلى 19000 ريال سعودي في المملكة، و18375 إلى 19000 درهم إماراتي في الإمارات، طالما ظلت نسب الصرف المرتبطة بالدولار مستقرة.
التصحيحات المحتملة: الجانب المظلم من التفاؤل
رغم التوقعات الصاعدة، حذّر بنك HSBC من أن زخم الصعود قد يفقد جزءًا من قوته في النصف الثاني من 2026، مع احتمالات تراجع تصحيحي قد يستهدف مستوى 4200 دولار للأوقية إذا ما بدأ المستثمرون جني الأرباح، لكن التحليل استبعد انخفاضًا دون 3800 دولار ما لم تحدث صدمة اقتصادية كبرى.
انتبه غولدمان ساكس أيضًا إلى أن استمرار الأسعار فوق 4800 دولار قد يضع الأسواق أمام “اختبار المصداقية السعرية”، أي اختبار قدرة المعدن على الحفاظ على مستوياته في ظل ضعف الطلب الصناعي الحقيقي.
غير أن محللي جيه بي مورغان ودويتشه بنك أجمعوا على أن الذهب دخل بالفعل منطقة سعرية جديدة يصعب كسرها نحو الأسفل، بفضل التحول الاستراتيجي في نظرة المستثمرين إليه كأصل طويل الأجل وليس مجرد أداة للمضاربة قصيرة الأجل.
صورة التحليل الفني: ماذا يقول الرسم البياني؟
أغلق الذهب تعاملات 21 نوفمبر 2025 عند 4065.01 دولار للأوقية، بعد أن لامس ذروة تاريخية عند 4381.44 دولار في 20 أكتوبر. كسر السعر خط القناة الصاعدة على الإطار اليومي، لكنه ما يزال يتمسك بخط الاتجاه الصاعد الرئيسي الذي يربط القيعان الصاعدة حول 4050 دولار.
يُظهر السعر دعمًا قويًا عند مستوى 4000 دولار، وهي منطقة حاسمة لتحديد اتجاه الحركة القادمة. في حال كسرها بإغلاق يومي واضح، قد يستهدف السعر منطقة 3800 دولار التي تمثل 50% من تصحيح فيبوناتشي.
من الجانب الآخر، يُعتبر 4200 دولار أول خطوط المقاومة القوية، حيث يفتح طريقًا نحو 4400 دولار ثم 4680. يستقر مؤشر القوة النسبية (RSI) عند 50، مما يشير إلى حالة حياد تام بين الضغوط الشرائية والبيعية، في حين يؤكد مؤشر MACD استمرار الاتجاه الصاعد العام.
يُرجّح التحليل الفني استمرار تداول الذهب داخل نطاق عرضي مائل للصعود بين 4000 و4220 دولارًا على المدى القريب، مع بقاء الصورة العامة إيجابية طالما ظل السعر فوق خط الاتجاه الرئيسي.
الخلاصة: انتظار مرحلة فاصلة
توقعات سعر الذهب في 2026 تعكس صراعًا متوقعًا بين جني الأرباح وموجات شراء جديدة من البنوك المركزية والمستثمرين الكبار. إذا استمرت العوائد الحقيقية في الانخفاض وظل الدولار ضعيفًا، فإن المعدن النفيس مرشح لتسجيل قمم تاريخية قد تتجاوز 5000 دولار للأوقية.
لكن في حال تراجع التضخم وعودة الثقة للأسواق المالية التقليدية، قد يدخل الذهب مرحلة استقرار طويلة الأجل تحول دون تحقيق هذه المستويات الطموحة. والواقع أن توقعات سعر الذهب 2026 ستعتمد بشكل حاسم على ديناميكيات العوامل الاقتصادية والسياسية التي ستحدد مسار السوق في الأشهر القادمة.