في عصر الذكاء الاصطناعي، من سيكون معرضًا للتخلّي عنه؟ تحدث زميلا هارفارد وشركة ماكينزي للاستشارات الإدارية، برادلي وهافري، عن هذا الموضوع في الفيديو بعنوان «في عالم القرار بعدة أبعاد، السعي إلى الدقة قد يكون بلا معنى».
بدأ برادلي بالإشارة إلى أن الذكاء الاصطناعي لا يستطيع «قراءة الجو»، لكن هذه القدرة هي المفتاح لتنفيذ الأفكار على أرض الواقع. بالنسبة لصناعة الاستشارات الإدارية، فإن الجزء الذي يستغرق أكبر وقت هو التفكير في المحتوى الذي يجب أن يُقدّم. مثل سؤال «هل هذا الاختيار في الكلمات قد يثير رد فعل عاطفي لدى بعض الأشخاص؟»، وهو سؤال يصعب على الذكاء الاصطناعي تقييمه، ويختبر أيضًا مدى فهم الإنسان للموقف المباشر.
ذكر هافري أن الأشخاص المدربين والذين يمتلكون نظرة ثاقبة، عندما يستخدمون الذكاء الاصطناعي، يكون الأمر بمثابة إضافة قوية لهم. لأنه يعرف ما هو «الجيد»، ويمكنه تعديل ما يقدمه الذكاء الاصطناعي ليصبح أفضل. أما المبتدئ الذي خرج للتو من الجامعة، فهو لا يعرف ما هو الجيد، وعندما يعطيه الذكاء الاصطناعي الإجابة، يقتنع بها تمامًا. المستقبل يتطلب أن يستخدم الإنسان الذكاء الاصطناعي لتحقيق 80 نقطة، ثم يُحسنها بدقة إلى 100 نقطة. لكن من يفتقر إلى القدرة على الحكم، سيقدم مباشرة 80 نقطة. بغض النظر عن مدى مساهمة الذكاء الاصطناعي، عليك أن تملأ الجزء الأخير بنفسك. بشرط أن تعرف ما هو الفرق.
الذكاء الاصطناعي لا يستطيع قراءة الجو، لكن هذه القدرة هي المفتاح لتنفيذ الأفكار على أرض الواقع
قال برادلي إن الذكاء الاصطناعي لا يستطيع «قراءة الجو»، مشيرًا إلى أن الذكاء الاصطناعي الحالي لا يستطيع فهم ردود الفعل العاطفية المحتملة من الناس بشكل حقيقي. لكن هذا الأمر هو في غاية الأهمية فيما يتعلق بـ «كيفية تنفيذ فكرة على أرض الواقع». لا بد من الجلوس والتفاعل الحقيقي مع الناس، لفهم هذه التفاصيل الدقيقة. من منظور الأعمال التجارية، فإن هذا يصبح نقطة تعلم مهمة جدًا، وتختلف بشكل كبير عن قدرات الذكاء الاصطناعي.
بعد ظهور الذكاء الاصطناعي، من الواضح أن تحليل البيانات سيبدأ تدريجيًا في الاستبدال به، وهو اتجاه لا رجعة فيه. لكن في النهاية، يعود الأمر إلى من يستطيع أن يتخذ قرارات جيدة استنادًا إلى البيانات التي تم تحليلها، ويستطيع أن يخلق توافقًا داخل الفريق، ويمضي قدمًا.
وهذا هو التحدي الحقيقي. فالكثير من القرارات في النهاية تحتاج إلى تفسير من قبل الإنسان.
أضاف الكاتب أن نماذج اللغة الكبيرة، كما يوحي اسمها، تعتمد على تدريبها على كميات هائلة من البيانات، بحيث تتعلم أن تتوقع الكلمة أو العبارة التالية الأكثر احتمالًا. فهي تعتمد على قاعدة بيانات ضخمة لفهم السياق، وتنتج المحتوى بناءً عليها. فهي تعرف أن عبارة «البرتقال سقط» تظهر كثيرًا، لكنها لا تفهم الجاذبية. بالمثل، من الصعب عليها فهم سيناريوهات مجردة مثل «قراءة الجو». لكن في مجال تحليل البيانات، فهي تتفوق فقط في كفاءة النموذج.
استخدام الذكاء الاصطناعي لإعداد التقارير؟ الأمر الحقيقي هو القدرة على الحكم
أوضح برادلي بمثال على إعداد العروض التقديمية. في الأوساط الأكاديمية، ربما يقضي الكثير من الوقت في تنسيق الشكل، وتحليل البيانات، ثم تنظيم المحتوى، وأخيرًا تقديمه للمناقشة. لكن في شركة استشارات إدارية، الجزء الحقيقي الذي يستغرق وقتًا هو «التفكير في المحتوى الذي يجب أن يُقدّم»، و«كيفية قول نفس الجملة بشكل مختلف».
أضاف هافري أن استخدام كلمة معينة، هل قد يكون حساسًا لبعض الأشخاص في المكان؟ هل قد يثير رد فعل عاطفي فوري؟ لأنه بمجرد أن يُحفّز اللوزة الدماغية للشخص، فإن أذنيه تكونان قد أُغلقا تقريبًا.
الذكاء الاصطناعي محدود بطبيعته، ويصعب عليه أن يقيّم مثل هذا الأمر المجرد والذاتي، مثل «هل هذه الكلمة قد تثير رد فعل عاطفي؟». لذلك، حتى لو ساعد الذكاء الاصطناعي في تحسين الكفاءة، فإن الأمر الأهم هو أن يظل «الإنسان» هو من يقيّم السياق بشكل شامل.
هنا، «القدرة على الحكم» هي الكلمة المفتاحية. يقول هافري إن القدرة على اتخاذ هذه الأحكام تعني أن لديك فهمًا معينًا للأشخاص في المكان، وخلفياتهم، وما يفكرون فيه.
لذا، في كل مرة يقول فيها أحدهم: «الذكاء الاصطناعي يمكنه إعداد العروض الآن، هل يجب أن يختفي المستشارون الإداريون؟»، يجيب هافري: إذا كان الأمر مجرد تقديم تقارير تحليلية، فإن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يحل محله بالتأكيد. لكن إذا كان الهدف من العرض هو «تحقيق التغيير»، فإن الأمر يعتمد على الحكم. إذا جعلت الذكاء الاصطناعي يمثل شخصك بالكامل، فإنك تتحمل مخاطرة: فقيمته وتقييمه يصبحان تقييماتك أنت. لكن السؤال هو: ما هو تقييم الذكاء الاصطناعي؟ إلى حد معين، هو لا يزال «صندوقًا أسود».
التركيز في PowerPoint هو أن تبرز نقطة معينة
لفت هافري إلى نقطة مهمة: أن العروض ليست مجرد تقديم تقارير، بل هي «إظهار نقطة». اسم PowerPoint يأتي من قدرته على مساعدتك في نقل وجهة نظرك. فالعرض التقديمي هو أداة لنقل الأفكار، لكنه ليس كافيًا بمفرده، بل يحتاج إلى قدرات أخرى.
وأشار إلى أن دور المديرين هو في جوهره أن يستخدموا نظرة المدير، مثل: ما الذي يعتبر جيدًا؟ متى يجب أن يعيد العمل؟ كيف يتعامل مع الناس؟ فهذه هي أهم قدرات القيادة.
الأشخاص الذين يمتلكون نظرة ثاقبة، يستخدمون الذكاء الاصطناعي كعون، أما من يفتقرون إلى الحكم، فهم يقتنون فقط ما يُعطى لهم
ذكر هافري أن الأشخاص المدربين والذين يمتلكون نظرة ثاقبة، عندما يستخدمون الذكاء الاصطناعي، يكون الأمر بمثابة إضافة قوية لهم. لأنه يعرف ما هو «الجيد»، ويمكنه تعديل ما يقدمه الذكاء الاصطناعي ليصبح أفضل. أما المبتدئ الذي خرج للتو من الجامعة، فهو لا يعرف ما هو الجيد، وعندما يعطيه الذكاء الاصطناعي الإجابة، يقتنع بها تمامًا، وهذا هو الخطر الأكبر.
الناس الأذكياء الحقيقيون، هم الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي ليصلوا إلى 80 نقطة، ثم يطورونها بدقة إلى 100 نقطة. أما من يفتقرون إلى الحكم، فهم يسلّمون مباشرة 80 نقطة. وفي زمننا الحالي، فإن 80 نقطة لا تساوي شيئًا، لأن الذكاء الاصطناعي يمكن أن ينجزها في دقيقة واحدة. السوق يبحث عن 100 نقطة، بغض النظر عن مدى مساهمة الذكاء الاصطناعي، عليك أن تملأ الجزء الأخير بنفسك. بشرط أن تعرف أين يكمن الفرق.
القدرة على التعلم الذاتي، واتخاذ القرارات، والتطوير المستمر هي مفاتيح النجاح في المستقبل
يعبّر هافري عن امتنانه لمن كان يوجهه ويصحح له طوال الطريق. فالتعرض للانتقاد كان في الحقيقة وسيلة لتنمية قدرته على الحكم. الآن، الأمور مختلفة. في السابق، كان من الضروري الاعتماد على الإنسان، أما الآن، فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يحل محل ذلك. فهل لا يزال هناك حاجة لتدريب المبتدئين؟
هنا، يطرح هافري حكمًا مهمًا: أن المنظمات في المستقبل ستتجه أكثر نحو الاحتفاظ بالأشخاص الذين «يرغبون في الوصول إلى 100 نقطة». إذا قدمت فقط 80 نقطة، فإن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يحل مكانك. وكلما زاد حجم وتأثير القرارات، زادت قدرة القادة على الحكم، حيث يكون حكمهم قد وصل إلى مستوى معين.
الخصائص الشخصية مثل الغضب، الود، الانطواء، والانفتاح، لم تعد مهمة، المهم هو «النظرة الثاقبة». كل خطوة في الطريق لها معنى، بما في ذلك الانتقادات والتصحيحات، وكلها تصبح ذات قيمة عند النظر إليها الآن. لكن المشكلة الحالية هي أنه لم يعد هناك أحد ملزمًا بتعليمك. هو يشجع المبتدئين على أن يكونوا مبادرين في طلب الملاحظات. في السابق، كان عليك الانتظار حتى يُنتقدك الآخرون، أما الآن، فالأمر يتطلب منك أن تكون المبادرة وتطلب أن يُنتقدك الآخرون. اسأل دائمًا: كيف يمكنني أن أتحسن؟ هل يمكن أن أكون أفضل؟
الجميع يبحث الآن عن «الشخص الذي يمكنه أن يصل إلى 100 نقطة». لذلك، المهارة الأساسية في سوق العمل المستقبلية هي: التعلم الذاتي للحكم، والتصحيح المستمر، وتطوير معاييرك الشخصية بشكل دائم.
لأنه لن يتوفر أحد لمساعدتك في ذلك بعد الآن.
هذه المقالة، الذكاء الاصطناعي يمكن أن يحقق فيها 80 نقطة، ومن لا يستطيع أن يصل إلى 100 نقطة، فهو محكوم عليه بالاستبعاد! ينصح خريجو هارفارد وماكينزي الجدد باتباع هذا النهج. نشرت لأول مرة على منصة ABMedia.